السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

457

مفاتيح الأصول

وفي شرح الزبدة للحرفوشي قال السيد في جواب مسألة هل الخلاف في فروع الدين يجري مجرى الخلاف في أصوله وهل المخالف في الأمرين على حكم واحد لا من فروع الدين عندنا كأصوله في أن كلّ واحدة منها أدلة قاطعة واضحة لائحة وأن التوصل إلى العلم بكلّ واحد من الأمرين يعني الأصول والفروع ممكن صحيح وأن الظن لا مجال له في شيء من ذلك ولا الاجتهاد المفضي إليه الظن دون العلم والشيعة الإمامية مطبقة من شهد أن مخالفها في الفروع كمخالفها في الأصول في الأحكام وفي الوافية في بحث الاجتهاد الشك الثاني شك اعتبار مطلق الظن وهو مما اختاره بعض الفضلاء وصورته أن يقال قد حصل لنا من تتبع آثار العلماء أنهم كانوا يعملون بكل ما حصل لهم الظن بأنه مراد المعصوم عليه السلام سواء كان منشأ حصول هذا الظن رواية صحيحة أو لا مسندة أو لا مرسلة إلى غير ذلك ويلزم على هذا أن لا يكون العلم بأحوال الرواة محتاجا إليه إذ ربّما يحصل هذا الظن من رواية من هو في غاية الضعف ولا يحصل من رواية من هو في غاية الثقة والجواب لا نسلم عمل العلماء بكل ما حصل لهم الظن بل الظاهر من أحوال القدماء عدم عملهم إلا بالقطعيات وكل من السّيّد المرتضى وابن إدريس وابن زهرة يمنع العمل بالظنيات كما لا يخفى على من له أدنى تتبع وأكثر هذه الأخبار الضعيفة باصطلاح المتأخرين كان صحيحا عند القدماء وفي رسالة الفاضل ملا عبد اللَّه فإن قلت نحن نحكم بما حصل لنا الظن بأنه كلام المعصوم عليه السلام ومراده أو فعله أو تقريره سواء كانت الرواية صحيحة السند أو لا مسندة كانت أو مرسلة مضمرة كانت أو مقطوعة إلى غير ذلك لأنا علمنا بالتتبع أن علماءنا السّلف كانوا يعملون بما حصل لهم الظن بأنه مراد المعصوم عليه السلام مطلقا وحينئذ فلا حاجة إلى العلم بأحوال الرواة قلت هذا باطل إلى أن قال قولك إن السّلف كانوا يعملون بما ظنوا أنّه مراد المعصوم عليه السلام باطل بطلانا بيّنا أمّا أولا فلأن كثيرا من القدماء منعوا من العمل بخبر الواحد وعلَّلوه بأنه لا يفيد إلا الظن كالقياس وهو ممنوع في الشرع فكيف يمكن نسبة العمل بالظن إليهم بل هذا فرية بلا مرية فظهر لمن تتبع كلام ابن إدريس والسيد المرتضى في كتبه الأصولية كالذريعة وغيرها وأما ثانيا فلأن الاطلاع على أن العمل بالمظنون إجماع دخل فيه قول المعصوم عليه السلام أو تقريره أو رضاه مما لا سبيل إليه غايته الاطلاع على أنهم عملوا بما هو مظنون لنا على أن عملهم ليس منقولا نقلا يفيد العلم إلا في قليل من المسائل نادرة وليت شعري كيف يحصل العلم بإجماع السلف على العمل بالمظنون أنه مراد المعصوم عليه السلام مع أنه لم ينقل أحد من العلماء أن السلف كانوا يعملون بظنون أنه من المعصوم عليه السلام سواء كان الراوي عادلا أو فاسقا بل المنقول خلافه كما علمت وما ورد من العمل بالكتب والتوقيعات وبإخبار جماعة لم يثبت عندنا توثيقهم لا يدل على عملهم بالظن إذ حصول القطع بالقرائن ونحوها في هذه المواضع متصور وكذا إخبار الثقات فيها ممكن وعدم ثبوت التوثيق عندنا لا يستلزم عدم ثبوته عندهم بل ثبوت الفسق عندنا بشهادة عدل أو عدلين أيضا لا يستلزم انتفاء التوثيق عندهم كما لا يخفى فكيف يمكن الحكم بمجرّد هذا بأنهم كانوا يعملون بالظن مطلقا مع ورود النصوص بالنّهي عنه مطلقا وتصريح جمع من فحول العلماء بمنعه نعم لا يبعد جواز العمل برواية عدلين ثقتين فصاعدا مع عدم راد لها يعارض عملها ولكن ليس عملا بالنص بل بما ثبت صحته فتأمل انتهى وفيه نظر فإن غاية ما يستفاد من كلام هؤلاء أن الظن بنفسه ومن حيث هو ليس كالعلم في أصالة الحجية وفي أنّ الحجية لا تحتاج إلى دليل بل الظن يحتاج حجيته إلى دليل قطعي ومع عدمه لا يجوز الاعتماد عليه أي ظن كان وفي أي مقام كان ولو في نفس الأحكام الشرعية والمسائل اللَّغوية والموضوعات فمن يعتمد على ظن في أمر من الأمور الدينية سواء كانت من الأصول أو الفروع أو الموضوعات لا بدّ أن يكون لقيام دليل قاطع على حجيته ولو بوسائط وملاحظة مقدمات عديدة فلا بد من كل أمر ديني من الاعتماد على القطع واليقين ولو كان ما يعتمد عليه ابتداء أمرا ظنيّا أو غير مفيد للعلم ولو كان شكا وبهذا الاعتبار لا فرق بين أصول الدين وفروعه ويكون جميع أمور الدين قطعية ويكون الأصل الابتدائي عدم حجية الظنون وهذا شيء يشهد به ضرورة العقل ومع ذلك هو متفق عليه بين الإمامية بل عامة المسلمين بل المليين بل كافة العقلاء فإن من المقطوع به أن عاقلا من العقلاء ولو كان عاميا صرفا لا يجوز الاعتماد في أمور الدين وموضوعاتها على محض الظن من غير انتهاء إلى القطع واليقين والظاهر أن الآيات والأخبار الواردة بذم الظن وغير العلم موردها هذا القسم من الظن وغير العلم يكون قبح الاعتماد عليه من البديهيات ولكن غاية ما يلزم مما ذكر أن الأصل الابتدائي في جميع الظنون المتعلقة بجميع المطالب عدم الحجيّة وعدم جواز الاعتماد وعدم صحته كما أن الأصل في جميع أقسام الشهادات ويد المسلم عدم جواز الاعتماد وهذا لا ينافي ما يدعى من أن الأصل في نفس الأحكام الشرعية بعد انسداد باب العلم بها بالنسبة إلى المجتهدين بعد استفراغ الوسع حجية الظنون التي لم يقم الدليل القاطع على عدم حجيتها لقيام الدليل القاطع على هذه الكلية وسيأتي إليه الإشارة إن شاء الله إذ تخصيص الكلَّيات بكليات أخر هي أخصّ منها وانقلاب الأصول بأصول أخر غير عزيز في الشريعة ومن ذلك أصالة حجية شهادة العدلين ويد المسلم وغير ذلك مما لا يكاد يحصى ولا نسلَّم انعقاد الإجماع على بطلان هذا الأصل الثانوي في باب الظنون وعلى سلامة الأصل الأوّلي في جميع الموارد إلا في الظنون التي قام الدليل على حجيّته بالخصوص كالظن